الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

226

تفسير روح البيان

الاحدى إلى المشهد الواحدي المسمى سدرة المنتهى التي هي شجرة الكثرة لابتداء الكثرة منها وانتهاء مظاهرها إليها بحسب الأعمال والأقوال والافعال والأحوال شبهت السدرة بشجرة الكثرة لكثرة اظلالها وأغصانها كما في شجرة الكثرة التي هي الواحدية لظهور التعينات والتكثرات منها واستظلال المتعينات بها بالوجود العيني الخارجي انتهى وقال البقلى ما الرؤية الثانية بأقل كشفا من الرؤية الأولى ولا الأولى با كشف من الرؤية الثانية اين أنت لو كنت أهلا لقلت لك انه عليه السلام رأى ربه في لحافه بعد أن رجع من الحضرة أيضا في تلك الساعة وما غاب قلبه من تلك الرؤية لمحة وما ذكر سبحانه بيان ان ما رأى في الأولى في الإمكان وما رأى عند سدرة المنتهى كان واحدا لان ظهوره هناك ظهور القدم والجلال وليس ظهوره يتعلق بالمكان ولا بالزمان إذ القدم منزه عن المكان والجهات وكان العبد في المكان والرب في المكان وهذا غاية في كمال تنزيهه وعظيم لطفه إذ تتجلى نفسه لقلب عبده وهو في الإمكان والعبد في مكان والعقل هاهنا مضمحل والعلم متلاش لان العقول عاجزة والأوهام متحيرة والقلوب وآلهة والأرواح حائرة والاسرار فانية وفي هذه الآية بيان كمال شرف حبيبه إذ رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ظن عليه السلام ان ما رآه في الأولى لا يكون في الكون لكمال علمه بتنزيه الحق فلما رآه ثانية علم أنه لا يحجبه شيء من الحدثان وعادة الكبراء إذا زارهم أحد يأتون معه إلى باب الدار إذا كان كريما فهذا من اللّه اظهار كمال حب لحبيبه وحقيقة الإشارة انه سبحانه أراد ان يعرف حبيبه مقام التباس فلبس الأمر واظهر المكر بأن بان الحق من شجرة سدرة المنتهى كما بان من شجرة العناب لموسى ليعرف حبيبه بكمال المعرفة إذ ليس بعارف من لم يعرف حبيبه في البسة مختلفة انتهى ولما أراد سبحانه ان يعظم السدرة ويبين شرفها قال عِنْدَها اى عند السدرة جَنَّةُ الْمَأْوى والجملة حالية قيل الأحسن ان يكون الحال هو الظرف وجنة المأوى مرتفع به بالفاعلية وإضافة الجنة إلى المأوى مثل إضافة مسجد الجامع اى الجنة التي يأوى إليها المتقون اى تنزل فيها وتصير وتعود إليها أرواح الشهداء وبالفارسية بهشتى كه آرامگاه متقيان يا مأوى ومكان أرواح شهداست أو آوى إليها آدم وحواء عليهما السلام يقال أويت منزلي واليه اويا واويا عدت واويته نزلته بنفسي والمأوى المكان قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر آدم عليه السلام انزل من جنة المأوى التي هي اليوم مقام الروح الأمين جبريل عليه السلام وهي اليوم برزخ لذرية آدم ونزل إليها جبرائيل من السدرة بنزول آدم وهذه الجنة لا تقتضى الخلود لذاتها فلذلك أمكن خروج آدم منها ولذلك تأثر بالاشتياق إلى أن يكون ملكا بعد سجود الملائكة له بغرور إبليس إياه ووعده في الخلود رغبة في الخلود والبقاء مع جبرائيل والجنة التي عرضها السماوات والأرض تقتضى الخلود لذاتها يعلم من دخلها انه لا يمكن الخروج منها إذ لا سبيل للكون والفساد إليها قال تعالى في وصف عطائها انه غير مجذوذ اى غير منقطع انتهى فالجنة التي عرضها السماوات والأرض ارضها الكرسي الذي وسع السماوات والأرض وسقفها العرش المحيط فهي محيطة بالجنان الثمان وليست هي الجنة التي انزل منها